الحياة في ظل الجائحة

لا تدع الخوف من كورونا يتحول إلى وصمة عار

مترجم من Harvard Business Review

فاليري إيرنشو

أستاذ مساعد في التنمية البشرية والعلوم الأسرية بجامعة ديلاور 

ستعرف قريباً شخصاً أصيب بفيروس كورونا المستجد و تعافى، إذا لم يحدث ذلك بالفعل حتى الآن سيكونون أصدقائنا و عائلتنا و جيراننا و زملائنا والتاريخ سيحكم علينا حسب الطريقة التي نتعامل بها معهم.

لسوء الحظ، كما يوضح بحثي وغيره، فإن الوصمة قد فاقمت المعاناة من كل وباءات الأمراض المعدية الرئيسية في تاريخنا، وستلعب بالتأكيد دوراً في مفاقمة المعاناة من جائحة فيروس كورونا المستجد. 

وصمة العار هي استجابة تطورية: نحن مبرمجون غريزياً لكي ننأى بأنفسنا عن الآخرين الذين يمكن أن يصيبوننا بالعدوى. لدينا مجموعة كاملة من ردود الفعل المتطورة، و المعروفة ب”تجنب الطفيليات”، لمنعنا من الاتصال مع الآخرين الذين قد يحملون أمراضاً معدية. 

ردود الفعل هذه هي التي تجعلنا نشعر بالاشمئزاز من علامات المرض، مثل القيء أو الآفات الجلدية، سواءاً كانت هذه العلامات تمثل أو لا تمثل تهديداً فعلياً لصحتنا.

هناك مكون أخلاقي و مكون مادي كذلك. نميل إلى الاعتقاد بأن الأشياء السيئة تحدث للأشخاص السيئين. هذه الفكرة المغلوطة (بأن الأشياء السيئة تحصل للأشخاص السيئين و الجيدة للجيدين) تجرنا إلى التفكير في أن الأشخاص المصابين بمرض ربما ارتكبوا شيئاً خاطئاً يجعلهم يستحقونه. ربما الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس كورونا المستجد لم يغسلوا أيديهم لفترة كافية، لمسوا وجوههم كثيراً، أو لم يتباعدوا اجتماعياً بما فيه الكفاية. هذا الاعتقاد مطمئن، ويساعدنا على الاعتقاد بأننا مسيطرون على مصيرنا. إنه يخبرنا أنه إذا فعلنا كل شيء بشكل صحيح، فلن نصبح مصابين. ومع ذلك، نحن ببساطة لا نعيش في عالم عادل: يمكننا القيام بكل شيء بشكل صحيح، وغسل أيدينا لمدة 60 ثانية بدلاً من 20 فقط، و ما زال يمكننا الإصابة بـفيروس كورونا المستجد.

ضريبة الوصمة

أظهرت عقود من الأبحاث التي أجريتها أن الوصمة تضر بالصحة العقلية والبدنية للأشخاص المصابين بالمرض. يمكن أن تأخذ الوصمة أشكال عدة منها: النبذ الاجتماعي، النميمة، العنف الجسدي ، و الحرمان من الخدمات. يمكن أن يؤدي التعرض لتجربة الوصمة إلى ارتفاع أعراض الاكتئاب، التوتر و الضغط النفسي، و تعاطي المخدرات. الأمر المثير للقلق هو أنه لا يتعين على الأشخاص تجربة الوصمة من الآخرين حتى يتأثروا بها بشكل سلبي. مجرد توقع وصمة العار من الآخرين – ربما لأنك رأيت بالفعل المرضى يعانون من النبذ ​​أو الحكم على مرضهم – يمكن أن يؤدي إلى القلق والتوتر. 

قد يلوم المصابون بالمرض أنفسهم، معتقدين أنهم يستحقون النبذ لارتكابهم شيئاً خاطئاً أو لأنهم أشخاصٌ سيئون لأنهم أصيبوا بالمرض. إن حقيقة أن العديد من مرضى فيروس كورونا المستجد معزولون طبياً هي المشكلة – فقد ثبت أن المرضى الذين يخضعون لأوامر العزل هم الأكثر عرضة للآثار السلبية الناتجة عن هذه المحنة.

لا تؤثر الوصمة على الأشخاص المرضى فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى الأشخاص الذين لديهم علاقة فعلية أو مُتصوَّرة بمرض ما. يتعرض أفراد أسر الأشخاص المصابين بالأمراض ومقدمي الرعاية الصحية الذين يقومون برعاية المصابين بالأمراض المعدية لخطر التعرض للوصمة من الآخرين أثناء الأوبئة. في سياق جائحة فيروس كورونا المستجد، الوصمة وُجهت أيضاً إلى الأمريكيين الآسيويين و الأشخاص الذين سافروا إلى المناطق المتضررة من الوباء.

إن وصم أي شخص أثناء الوباء يشكل تهديداً للجميع. تُظهر الأبحاث من فيروس نقص المناعة البشرية HIV، الإيبولا، مرض هانسن (الجذام)، و غيرها من أوبئة الأمراض المعدية، أن الوصمة تقوِّض جهود فحص المرض وعلاجه. الأشخاص الذين يشعرون بالقلق من أن يتم نبذهم اجتماعياً إذا كانوا مريضين، يقل احتمال خضوعهم لفحص المرض أو طلب العلاج إذا عانوا من الأعراض. بسبب الفكرة المغلوطة (بأن الأشياء السيئة تحصل للأشخاص السيئين و الجيدة للجيدين)، قد لا يعتقد البعض بأنهم يمكن أن يصابوا بمرض-  لإنهم باعتقادهم أشخاص جيدون اتخذوا الاحتياطات اللازمة لتجنب المرض.

المسافة الاجتماعية ، وليس العزلة الاجتماعية

الخبر السار هو أن العلماء الذين يعملون في سياقات المرض المتنوعة حددوا الأدوات التي يمكن الاستعانة بها لمعالجة مشكلة الوصمة أثناء جائحة فيروس كورونا المستجد، بما في ذلك استراتيجيات الحد من الوصمة وتعزيز القدرة على الصمود والمرونة.

يعد التعليم من أكثر الأدوات شيوعاً لتفكيك الوصمة وتبديد الصور النمطية الضارة، مثل أن الأمريكيين الآسيويين هم أكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا. 

يجب أن يكون القادة المحليون و الوطنيون الذين يصابون بفيروس كورونا المستجد صريحون بشأن تشخيصهم، للمساعدة في جعل المرض طبيعياً و إنسانياً. عندما أعلن نجم الدوري الاميركي للمحترفين (الرابطة الوطنية لكرة السلة) ماجيك جونسون أنه مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، زادت معدلات اختبار فيروس نقص المناعة البشرية بشكل كبير في جميع أنحاء البلاد. في ذات السياق، من المرجح أن تساعد منشورات وسائل التواصل الاجتماعي من المشاهير الذين يعانون من المرض في التخلص من التجريم المرتبط به. إذا أصيب توم هانكس وريتا ويلسون (مشاهير هوليود) بفيروس كورونا المستجد، فيمكننا جميعاً الإصابة به.

يمكن لقادة الشركات توضيح أن القيم المؤسسية للاندماج الاجتماعي والقبول والتنوع تمتد إلى الأشخاص المتأثرين بالفيروس. في بعض الحالات، قد يكون من الضروري فرض سياسات مناهضة للتمييز. لم يعد المريض الذي تعافى تماماً من فيروس كورونا المستجد معدياُ ويجب ألا يعامل بشكل مختلف عن زملائه. 

يمكن لقادة الشركات أيضاً وضع إرشادات واضحة وسرية للإبلاغ عن حالات فيروس كورونا المستجد والاستجابة لها بين الموظفين، بحيث يشعر الموظفون بالإبلاغ الآمن إذا أصبحوا مريضين مع ضمان حصولهم على وظائفهم عندما يتعافون. 

يجب على المؤسسات أيضاً الاستثمار في برامج العافية والمبادرات الصحية التي تعزز القدرة على الصمود أمام الوصمة و غيرها من الضغوطات. 

على سبيل المثال، تساعد أنشطة الوعي و اليقظة الذهنية على تحسين القدرة على تحمل مجموعة كبيرة من الضغوطات.

إننا جميعاً نلعب دوراً حيوياً في إزالة الوصمة أثناء الجائحة. في الواقع، واحدة من أفضل أدواتنا للصمود والمرونة والتقليل من الآثار السالبة هي ببساطة الدعم الاجتماعي. 

يمكن للموظفين جدولة استراحات القهوة الافتراضية (عبر الانترنت) ووجبات الغداء ومع زملائهم المرضى للاطمئنان عليهم. يمكننا الاتصال وإرسال رسائل نصية إلى جيراننا، وخاصة أولئك الذين مرضوا، لإطلاعهم على حياتنا والتعبير عن الأمل في إعادة الاتصال بعد رفع تدابير التباعد الاجتماعي. يجب علينا أيضًا أن نتحدث بصراحة عن صراعات الصحة العقلية والنفسية التي نواجهها جميعاً – فرص التحدث مع الآخرين حول الضغوطات بما في ذلك الوصمة يمكن أن تعزز التكيف الإيجابي والسلامة النفسية و العقلية.

على الرغم من أن الوصمة هي ردة فعل متطورة للمرض، إلا أنها ليست حتمية. تفرقنا الوصمة وتقلبنا ضد بعضنا البعض، لكن الجائحة تذكرنا بمدى ارتباطنا جميعاً. ضعفنا المشترك تجاه هذا الفيروس هو مصدر التضامن. يجب أن نتذكر أن الفيروس هو العدو و ليس الأشخاص المصابين بكورونا المستجد أو المتأثرين به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق